ابن الأثير

62

الكامل في التاريخ

و قال عليّ بن أبي طالب : لما نزلت : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ دعاني النبيّ ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فقال : يا عليّ إنّ اللَّه أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فضقت ذرعا وعلمت أنّي متى أبادرهم بهذا الأمر أر منهم ما أكره ، فصمتّ عليه حتى جاءني جبرائيل فقال : يا محمّد إلّا تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربّك . فاصنع لنا صاعا من طعام واجعل عليه رجل شاة واملأ لنا عسّا من لبن واجمع لي بني عبد المطّلب حتى أكلّمهم وأبلغهم ما أمرت به . ففعلت ما أمرني به ، ثمّ دعوتهم ، وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه ، فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعبّاس وأبو لهب ، فلمّا اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الّذي صنعته لهم . فلمّا وضعته تناول رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، حزّة من اللحم فنتفها « 1 » بأسنانه ثمّ ألقاها في نواحي الصحفة ، ثمّ قال : خذوا باسم اللَّه ، فأكل القوم حتى ما لهم بشيء من حاجة ، وما أرى إلّا مواضع أيديهم ، وأيم اللَّه الّذي نفس عليّ بيده إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدّمت لجميعهم ! ثمّ قال : اسق القوم ، فجئتهم بذلك العسّ فشربوا منه حتى رووا جميعا ، وأيم اللَّه إن كان الرجل الواحد ليشرب مثله ! فلمّا أراد رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، أن يكلّمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال : لهدّ [ 1 ] ما سحركم به صاحبكم . فتفرّق القوم ولم يكلّمهم ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فقال : الغد يا عليّ ، إنّ هذا الرجل سبقني إلى ما سمعت من القول فتفرّقوا قبل أن أكلّمهم ، فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت ثمّ اجمعهم إليّ . ففعل مثل ما فعل بالأمس ، فأكلوا ، وسقيتهم ذلك العسّ ، فشربوا حتى رووا جميعا وشبعوا ، ثمّ تكلّم رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فقال : يا بني

--> [ 1 ] لعلّ . ( لهدّ : كلمة يتعجّب بها ) . ( 1 ) . فشقها . B